السيد محمد مهدي الخرسان
248
موسوعة عبد الله بن عباس
وكان مقتل محمّد من أنكى الرزايا الّتي اقترفها معاوية وأشياعه ، فقد مرّ بنا أن ذكرنا كيفية قتله البشعة ، وذكرنا مدى وقع نبأ الفاجعة على أخته عائشة على ما كان بينهما من نبوة في الرأي حتى صارت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص . فما ظنك بمدى حزن الإمام عليه وهو ربيبه ، ومدى حزن ابن عباس عليه وهو ابن خالته وصاحبه ، ولم يكن كتاب الإمام إلى ابن عباس بنبأ الفاجعة لمجرد الإخبار وبث الشكوى فيما أرى - بل فيه إيماء إلى اتخاذ ابن عباس الحيطة واليقظة في ضبط البلاد لأنّ البصرة هي ثالث المعسكرات الإسلامية الّتي كانت تضمها حكومة الإمام ، وقد سقطت مصر منها بيد العدو ، فلم يبق إلاّ الكوفة والبصرة ، وهي مطمح نظر معاوية ، لعلمه بأن فيها من العثمانية والموتورين بحرب الجمل ما يكفيه لإثارة الشغب ، وبالتالي الانقضاض عليها ، فهو سوف يتحيّن الفرصة لذلك ، وكما حدث بعدُ في فتنة ابن الحضرمي وسنأتي على ذكرها . ونعود إلى كتاب الإمام إلى ابن عباس ونذكره برواية الشريف الرضي في نهج البلاغة . قال : « ومن كتاب له ( عليه السلام ) إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمّد ابن أبي بكر : ( أمّا بعدُ فإنّ مصر قد افتتحت ومحمّد بن أبي بكر ( رحمه الله ) قد استُشهد ، فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً ، وعاملاً كادحاً ، وسيفاً قاطعاً ، وركناً دافعاً . وقد كنتُ حثثت الناس على لحاقه ، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة ، ودعوتهم سراً وجهراً وعوداً وبدءاً ، فمنهم الآتي كارهاً ، ومنهم المعتلّ كاذباً ، ومنهم القاعد خاذلاً ، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً عاجلاً ، فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة ، وتوطيني نفسي على المنيّة لأحببتُ أن لا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبداً ) » .